أبي منصور الماتريدي

81

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والصدقة : هي ثلاثة آصع على ستة مساكين ، على ما ذكر في خبر كعب بن عجرة ، رضى اللّه تعالى عنه . فأما الصوم : فإن المتمتع إذا لم يجد هديا ، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع [ إلى أهله ] « 1 » . فأجمعوا على أن له أن يصوم السبعة بمكة وفي غيرها . فصوم الفدية كذلك . وكذلك الثلاثة الأيام إذا صامها بعد إحرامه بالعمرة عندنا ، وبعد إحرامه بالحج عند مخالفينا بمكة أو بغيرها ، فهي مجزئة . وكذلك صيام الفدية تجزئه حيث صامه قياسا على صوم المتمتع . فأما الصدقة : فإن الشافعي رحمه اللّه ذكر أنها لا تجزئ إلا بمكة . وقال : لأن أهل الحرم ينتفعون بها كما ينتفعون بالهدى . فيقال له : أرأيت إن ذبح الهدى بغير مكة ، ثم تصدق به على أهل الحرم هل يجزئه ذلك ؟ فإن قال : لا ، قيل له : قد بطلت علتك حيث لم يجز التصدق على أهل الحرم ، وبان أن الدم خص بأن يهراق في الحرم ؛ لأن اللّه تعالى قال : حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ . فأما الصدقة فهي مجزئة حيث كانت . ثم اختلف في الذي يحلق قبل أن يذبح بغير أذى : فقال أبو حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : يجب عليه دم . والحجة له : بأن اللّه - تبارك وتعالى - منع المحصر من الحلق حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، فإن حلق رأسه لأذى فعليه دم آخر ؛ لأن الآية الكريمة في الحلق في المحصر ، فإذا كان الذي يصيبه الأذى في رأسه قبل الوقت الذي أذن له فيه فدية ، بل الذي يحلق رأسه بغير أذى أحرى أن يكون عليه الفدية . وأبو حنيفة ، رضى اللّه تعالى عنه ، يزيد في التغليظ عليه ، فيقول : لا يجزئه غير الدم ، ويخبر صاحب الأذى بين الدم ، والصدقة ، والإطعام ، كما أخبر اللّه تعالى . فدليل القرآن شهد لمذهبه . وخالفه جماعة من أهل العلم فيمن حلق قبل أن يذبح وليس بمحصر ، ووافقوه في المحصر . واحتجوا بما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه لما سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال : « اذبح ولا حرج » « 2 » . لكن قوله : « افعل ولا حرج » ، يرجع إلى الإثم ، دون الكفارة ،

--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) أخرجه مالك ( 1 / 421 ) كتاب : الحج ، باب : جامع الحج ، حديث ( 242 ) ، والبخاري ( 3 / 569 ) كتاب : الحج ، باب : الفتيا على الدابة عند الجمرة ، حديث ( 1736 ) ، ومسلم ( 2 / 948 ) كتاب : الحج ، باب : من حلق قبل النحر ، أو نحر قبل الرمي ، حديث ( 327 / 1306 ) ، وأبو داود ( 2 / 516 ، 517 ) كتاب : المناسك ( الحج ) باب فيمن قدم شيئا قبل شئ في حجه ، حديث ( 2014 ) ، -